لقد تنامى الوعي الوطني عميقا في الوجدان العراقي بُعيد تأكد فشل المشروعات التي راهنت على مواصلة التحكم بالناس عبر استغلال المشاعر المذهبية والطقسية الدينية وإبراز شعارات تتصدى للهمّ الطائفي متخفية بادعاء تبني مطالب أو حاجات هذه الطائفة أو تلك بعد زمن الابتزاز والقهر في ظل الطاغية المهزوم...
ونتيجة للضغط الشعبي الوطني قرأت بعض المرجعيات الدينية الموقف وأعطت انذارها للأحزاب الطائفية بأن تغير من تكتيكاتها والشعارات التي ترفعها وأن تضع في حسابها متغيرات الواقع الوطني وضغوطه وحجم مطالبه في الانتهاء من الخطاب الطائفي أو التعصبي الديني أو القومي كذلك...
وحاولت تلك المرجعيات أن تنفذ بخطابها من خلال بعض العلمانيين وجذبهم لأنشطة تستطيع تجييرها لصالح شعار الدين هو الحل (تحديدا الإسلام وأكثر تشخيصا الخطابين الشيعي والسني في ظلال مفهوم الإسلام هو الحل).. وعقدت اتصالات وبمستويات عديدة بعلمانيين بذريعة أهمية الوحدة الوطنية وتكاتف الجهود...
وإذا كانت محاولات تلك المرجعيات قد أخفقت من جهة تجيير القوى العلمانية التنويرية في مجتمعنا وتحديدا الشخصيات الوطنية التنويرية التوجه فإنَّها لم تكن كذلك مع القوى الحزبية الإسلاموية الطائفية إذ أنها تمتلك تأثيرا عليها وسلطة في داخلها ما يسمح لها بتوجيه [نسبي] لبرامج تلك الحركات السياسية...
وهكذا صرنا اليوم نسمع بوضوح شعارات وطنية وخطابات ترفض التقسيم الطائفي وتتحدث جهارا وعلانية عن مفارقة التشظي والانقسامات وتعِدُ بالعمل الوطني الذي يحترم التعددية والتنوع ويدافع عنه؟! واختفى الخطاب التقليدي بمفرداته:
لقد ارتكبت قوى الإسلام السياسي المتطرفة المتشددة وأرضيتها اليانعة التي تدعي الاعتدال وهي الغطاء للتشدد والجنين الولود للتطرف والعنف، ارتكبت تلك القوى أفضع جرائم الإبادة بحقأبناء العراق الأوائل الأصائل من المسيحيين العراقيين في مختلف المحافظات وساهمت في ذلك أطراف من جميع ألوان حركات الإسلام السياسي الطائفية السنية والشيعية وبلا هوادة جرت عمليات القتل الجماعي والاغتيالات الفردية المتصلة المستمرة للكلدان الآشوريين السريان والأرمن وكل مسيحيي العراق ومكوناتهم وكنائسهم وأشكال أنشطتهم الإنسانية وصرنا لا نرى وجودا لهم في بعض المدن الآهلة بهم في الأمس القريب..
ومثلهم جرت جريمة الإبادة المادية والمعنوية لمجموعة قومية دينية أخرى ساهمت في بناء حضارة العراق القديمة وظلت علامة إنسانية صادقة لوجودنا الوطني المعاصر التعددي ذلكم هم الصابئة المندائيون حتى صارت الأغلبية المطلقة منهم تسكن بلدان النزوح والنهجير القسري في ظل أسوأ ظروف المعاناة...
ولا يختلف عن المجموعتين أمر مجموعة عراقية ثالثة أصيلة متمثلة بالأيزيديين الذين يحملون مثلهم مثل الآخرين رايات السلم والتسامح ولغة التعايش الإنساني في وقت جرت جرائم يندى لها الجبين بحقهم مما يرفضها الدين الإسلامي الحنيف لكن حركات الإسلام السياسي لا تجد نفسها ملزمة حتى باستنكار جدي مسؤول لتلك الجرائم التي لا تقع في خانة ضد الإنسانية حسب بل تتمثل في كونها جرائم إبادة مادية ومعنوية وهي جزء من توصيف جرائم الإبادة الجماعية المهولة في حجمها الكارثي...
ولن تستثني قوى بمثل هذه الوحشية أحدا فهي قوى الجريمة المرضية وهي جرثومة الفناء والموت العبثي المجاني الذي يطاول أبناء شعبنا جميعا وإذا كانوا ينتهون من أطياف شعبنا تحقيقا لخطاب التطهير الديني والقومي فإنهم سيواصلون الأمر تحقيقا لخطاب التطهير العنصري والطائفي وهو ما بدأ في حرب التقسيم الطائفي من جهة وفي حرب متفرعة أخرى هي نتيجة حتمية لبرامج الإسلام السياسي الطائفية أقصد حرب الحركات والمجاميع داخل الصبغة الطائفية الواحدة المدَّعاة أي بين مدعي الانتماء (السني السني) ومدعي الانتماء (الشيعي الشيعي)...
إنَّ أخطر ما يجري من حرب تصفوية اليوم بين القوات (الشيعية) \ (الشيعية) هو ما يتم من تنفيذ جرائم إبادة بوحشية متطرفة وبعنف مفرط يطاول البسطاء من الناس سواء من عوائل الجهات الميليشياوية أم من الجيران أم أبناء الضواحي والقصبات والقرى...
والخطورة لا تكمن في التشدد وفي الإفراط في استخدام القوة ولا في الوحشية الهمجية لطريقة التعاطي بين الفرقاء بل في توظيف حملة الحكومة الاتحادية لجهة على حساب أخرى بطريقة تستهدف ميليشيا وتستثني أخرى بما لن يكون نتيجة له تطمين الوضع الأمني بقدر ما ينجم مؤقتا صمت هش للاقتتال ولعلعة الرصاص والمدافع متحولا في مرحلة تالية من الهشاشة إلى اقتتال أعقد لاحقا أو سطوة أخطر لجهة طائفية وحركة سياسية على المشهد السياسي العام...
ومن الطبيعي أن يعود الوضع عبر هذه التصفيات إلى خطاب الدكتاتورية والطغيان وإلى آليات الاستبداد ووحشية سلطتها. ويومها سيكون الضحية على مذبح هذي المعركة كل طرف نأى بنفسه عما يجري اليوم واتخذ لغة الدبلوماسية أو الصمت وانتظار ما تسفر عنه مطحنة الاقتتال وآلتها الجهنمية مكتفيا بالتفرج أو التعاطي الأسلس مرونة..
إنَّ المعضل اليوم يكمن في تطويع الأجهزة الحكومية لصالح قوة سياسية أو حركة وتحديدا لجهة الإسلام السياسي [ممثلا في المجلس الأعلى (واحتفاظه بقوات بدر بصورة غير مباشرة خارج المعركة) وفرقاء حزب الدعوة من جهة والحزب الإسلامي وبعض فرقاء التوافق من جهة أخرى] فيما تنشغل القوى المتنورة العلمانية اليسارية أم الليبرالية في تشظيها التنظيمي وفي مخاوفها من اصطدامات الأمس بخاصة الذريعة أو التهديد بـِ بعبع البعث وفاشيته الأمر الذي يفتت تلك القوى ويجعلها بعيدة عن أن تكون البديل الميداني على الرغم من كونها البديل في ذهنية الناس وفي تطلعاتهم وتوجهاتهم بحثا عن المنقذ...
إنَّ الموقف الذي يمر به العراق بحاجة للجم عنجهية قوى الإسلام السياسي بأغلب عناصرها والانتهاء من تركها في غيّ توهمها أنها تمتلك كل خيوط اللعبة ما يجعلها تمعن في تحكمها بمصائر العراقيين..
كما ينبغي أن يجري الحديث بوضوح عن حقيقة نضج الوعي الجماهيري ورفضه لخطاب الطائفية وتحويله بما ينبغي ألا يسمح بعودتها بآلية التقية أو غيرها عبر نافذة الادعاء والتستر والتضليل أي عبر منفذ استغلال الجهاز الحكومي لتصفية حساباتها وتمكين طرف أو آخر منها للتحكم بالسلطة الوطنية الاتحادية أو الإقليمية في المحافظات..
إنَّ الإمعان في استخدام العنف المفرط في ما يسميه أطراف من تلك القوى خطة حكومية لضبط الوضع الأمني لا يمكن القبول به كونه يوقع مزيدا من الضحايا الأبرياء وكونه لا يمثل علاجا جديا صائبا لمشكلة الميليشيات ولا يطمِّن الأمن ويترك الأبواب مشرعة لاحتمالات خطيرة أخرى...
فالحكومة ليست مكتملة التنظيم ولا ناضجته وهي ليست بالكفاءة التي تمثل عملا برامجيا واضحا بل هي خلطة تتجاذبها التقسيمات المصلحية يزيد في الحالة سوءا ضعف برلماني خطير بسبب من سطوة أطراف بعينها على هذه المؤسسة التشريعية أو سطوة برامج ما زالت تتعاطى مع أولويات غير وطنية..